مجالس الرويضة لكل العرب

مجالس الرويضة لكل العرب (http://www.rwwwr.com/vb/httb:www.rwwwr.com.php)
-   حكايات من الوجد (http://www.rwwwr.com/vb/f13.html)
-   -   " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس) (http://www.rwwwr.com/vb/t16193.html)

فيصل الزوايدي 01-06-2008 01:03 AM

" الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
الغـــروب ..

أَنا مَن هَدَّه الشوقُ إليَّ ، و أَخَذَه الـهمُّ بعيدًا بعيدًا عَني .. و أَلزَمَني زَمَني ما لا أُطيق ..
فَلَيْتَ أَنسى .. وكيفَ أنسى وذا فَحيحُ ذِكرى أَطلَقَت سُـمومَها فـي دِمائي فَلا تُـجدي مَعَها الأمصالُ و إِنْ جَرَّبتُها ..و ذا هُم أَحِبَّةٌ صَدَقوا ولَكِن رَحَلوا ، بِالـمَوتِ اعتَذَروا ، و ما تُـجدي ، عِنْدَ الرحيلِ ، الـمعاذيرُ..أُف يقُ و تُفيقُ مَعي الذكرى موجِعَةً كالقَهرِ أَو كَالـمَوتِ نَفسِهِ ، أَحسِرُ عَنـي لِـحافًا بَسيطًا كانَ ليُطرُدَ البردَ و الـخوفَ عنّي .. أسيرُ نَـحوَ الـمِرآةِ فلا أرى إلا وَجهَهُ بِفَيْضِ ابتِسامَتِهِ الغامِرَةِ و الشيبِ الذي جَلَّلَهُ وَقارًا .. كانت الشعراتُ البيضاءُ بَيارِقَ الرحيلِ يَومَ اِلتَمَعَت فـي رأسِهِ تُؤذِنُ بِوَداعٍ مَـحتومٍ .. أجابَنا لا أَدري جادًّا أَمْ عابِثًا يَوْمَ سَأَلْناهُ عَن ذَلِكَ اللونِ الـجديدِ : هِيَ الشمسُ لا تَـمَلُّ شُروقًا و غُروبًا .. كَم أَشرَقَت و كَم غَرُبَت .. أَنْتَزِعُني مِن أَمامِ الـمِرآةِ فَقَد وَمَضَ بَريقٌ فـي عَينيَّ .. أَسيرُ وَجِلا إلـى الـمغسَلِ فأَغسِلُ وَجهي عَجٍلا ، مُتَجَنِّبًا النظَرَ إلى الـمِرآةِ الـمُواجِهَةِ خِشيَةَ أَنْ أَجِدَهُ قبالتي لَكِن يَدي تَـجَمَّدَت على مِقبَضِ الـحَنَفِيَّةِ ، فَقَد كانَت يَدُهُ الـمَعروقَةُ هِيَ التي تُـحكِمُ إِغلاقَ الـمِقبَضَ بِـحِرصِهِ الشديدِ على الـماءِ ، أَقتَلِعُني بِعُنفٍ و أَتَـحَرَّكُ مُتَعَثِّرًا أو مُتَبَعثِرًا.. أُغادِرُ الـمَكانَ و أُسرِعُ إلى غُرفَتـي و لَكن يَبدو أَنَّني قَد تُـهتُ إِذْ وَجدتُني فِي غُرفَتِهِ هُوَ .. كانَت رائِحته الـمُمَيَّزَةُ ما تَزالُ عَطِرَةً في الـمَكانِ .. هذا مَضجَعُهُ و تِلكَ ثِيابُهُ وذاكَ مَكتَبُهُ .. ما زالَ دفتَرُهُ مَفتوحًا على الطاولةِ ،كما تركَهُ في تلك الليلةِ فَقَد كانَ يُسَجِّلُ كل يوم أحداثَ يَومِهِ.. ترددت في مسامعي شَكواه الدَّائمَةَ مِن الزمَنِ .. ما لـي مِنْ عَدُوٍّ غيره .. قالَ هذا لـي يومًا وقد كان يُرَدِّدُهُ دَوْمًا .. أَقرَأُ فـي الصفحةِ الـمفتوحةِ أَمامي :" إِنَّـما تقتُلُنا الـحَسرَةُ .. وما جَدوى أَنْ تُسجِّلَ هزيـمَتَكَ ؟" لا أَجرُؤُ على قولِ أي كلامٍ .. تَـمامًا مِثلَ ذلكَ اليومِ .. إِذَا يَهوي الأحبَّةُ إلى الترابِ فَما كَلامٌ يُسلّيني .. أُحاوِلُ الهربَ مِنَ الـحسرَةِ خِشيَةَ أَنْ يَـمضي الوقتُ ، لا أَبـحَثُ عَن ساعَةٍ و لا أحاولُ البَحثَ عَنها فانأ اعلم أنني لن أجد واحدة .. قَد كانَ يَكرَهُ الساعاتِ بُغضًا ، يَكرَهُ حَرَكَتها لا تَتَوَقَّفُ ولا تستَريحُ و لا تَعودُ مَرَّةً .. يَكرَهُ اِستِنـزافَها الـمريرَ لِلعُمرِ .. تَزيدُ لِيَنقُصَ ، هَكذا تَقولُ الأحجِيَةُ .. هل اِعتَقَدْتَ يَومًا أَنْ تَكونَ حَياتُكَ أُحجِيَةً ساذجَةً يَرويها الصبيانُ بِتَفَاخُرٍ ؟؟؟
أُحاوِلُ الفكاكَ مِن هذه الـمتاهةِ فَأُغادِرُ الـمكانَ نَـحوَ آخر .. إِذَا كانَ الزمانُ يَأْبـى الثبات فالأماكِنُ تَأبـى الـحَرَكَةَ .. أَسيرُ نَـحوَ غرفةِ نَومي مـرةً أخرى و أَنا أَتَوقَّعُ أَن أَجِدَها فـي مَكانِـها ، لا أَدري كَيفَ وَجدتُ نفسي في غُرفَةِ الـجلوسِ أُجيلُ البَصَرَ في أَشيائِها الـمُبَعثَرَةِ كأَحاسيسي ،الـمُشوَّشَةِ كَأََفكاري .. على صَدرِ الـحائطِ لَوحةٌ كبيرةٌ مَارَسَ الزمنُ نزواتِهِ العجيبةَ على إِطارِها الـمُذَهَّبِ فَأَحالَهُ باهِتًا .. كانتِ اللوحةُ صورةَ الفَقيدِ .. الـجاذبيةُ عنيفةٌ اِقتادَتْنـي إلـى تَأَمُّلِها بِشَغَفٍ كأنـي لا أَعرِفُ صاحبَها ..
أَقِفُ أمامَ صورَتِهِ و لَكِنّـي أَنظُرُ إليه بِإِشفاقٍ وَ حَسرَةٍ كَأَنـي أَعرِفُهُ .. أَتَأَمَّلُ عَيْنَيْهِ العَميقَتَيْنِ بِتِلكَ النظرَةِ الغائِمَةِ ... أَنظُر في الصورَةِ طَويلا و أَرحَلُ بَعيدًا بَعيدًا عَنّـي، إذ أَنسى العالـمَ مِن حَولـي و أَنسى كثيرًا مـما ظَنَنْتُ أَنـي لا أَنساه ..و لكننـي أعودُ بَغتَةً لأُفيقَ فَإذا بـالصورةِ لَـم تَكُن إلا صورَتـي أَنـا ..

فيصــــل الــــــزوايـــ ـدي

محمد 08-06-2008 05:40 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 


هل هو الرسم الأخير ؟!
أم نقش القامات على صخور الساعات ؟!
متحجرة أرواح السواحل أم نحن المتحجرون حينما لم نفهم لوعة الوقت الساري في كينونتنا
فعندما تبهت اللوحة لا يبقى منها غير الإطار
فهل أخترنا إطارا يتحدى صخب الألوان
ويمجد طقوسنا على صفحات الزمن

أ/فيصل الزوايدي

كنت هنا شاهدة على رسالة الغروب
رائع وأكثر
كن بخير دائما



محمد 09-06-2008 10:29 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 

أخي العزيز / فيصل الزوايدي

نتشابه جميعاً في وجهتنا للغروب ولكن ربما نختلف في طقوس الرحلة

رائعة قصتك سرداً ولغة باذخة استمتعت بها

والأجمل هذه النهاية المفاجئة وأعتقد أنها محور النص فنحن نحزن وننعي الراحلين ولا ننتبه أننا في طريقنا إليهم ذلك الطريق الذي سلكوه قبلنا ولم يمحه خرس الساعات .. طريق الغروب

دمتَ مبدعاً متألقا

تحيتي وتقديري

ابو نـــmkـــواف 17-06-2008 01:39 AM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
فيصــــل الــــــزوايـــ ـدي



سلمت لنا استاذي

استمتعت بما سطرت

تقبل مروري

محمد 17-06-2008 02:54 AM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
لك الشكر على ماطرحت

فيصل الزوايدي 17-06-2008 04:59 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أخت نور الحياة .. الزمن قادر على مباغتتنا دوما بما كنا ننتظره ..
شكرا للتفاعل الراقي الذي أسعدتني كثيرا
دمت في الخير

فيصل الزوايدي 17-06-2008 05:04 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أختي الرائعة و الراقية تقى .. نعم هي رحلة مشتركة رغم اختلاف بعض التفاصيل اللطيفة ..
تعلمين اعتزازي برأيك و بدعمك كثيرا فشكرا لك
دمت في الخير
مع الود

فيصل الزوايدي 17-06-2008 05:07 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أخي ابو نـــmkـــواف أسعدني استمتاعك بالقصة و ثناؤك عليها فشكرا لك
دمت في الخير

فيصل الزوايدي 17-06-2008 05:10 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أخت بـــقــــايا جـــــروح أسعدتني متابعاتك الانيقة فشكرا لك
دمت في الخير

محمد 21-06-2008 11:03 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أسترسال سلس ورائع بالقصه

كما تعودنا من الابداع في الكتابه والسرد المتميز

استمتعت كثيرا ربي يعطيك العافيه،،

وفا

http://www.3z.cc/sml/30/0001.gif

فيصل الزوايدي 23-06-2008 05:41 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أخت وفا العيون أسعدني استمتاعك بالقصة و اعتز برأيك في كتابتي و أنا ممتن لدعمك الباذخ
دمت في الخير
مع الود

المرور 19-08-2008 07:36 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
الف شكر على الطرح القيم

وبارك الله فيكم

فيصل الزوايدي 22-08-2008 12:20 AM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
الاخ المرور .. اسعدني تفاعلك و ثناؤك على النص فشكرا لك
دمت في الخير

درب الجروح 24-08-2008 06:25 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
سلمت لنا استاذي

استمتعت بما سطرت

تقبل مروري

فيصل الزوايدي 25-08-2008 01:30 AM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أسعدني استمتاعك بالقصة أخي درب الجروح و انا ممتن للمشاعر الطيبة و للمتابعة
دمت في الخير
مع الود الممتد

ايمن الشهاري 27-08-2008 04:56 PM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
شكرا وبارك الله فيك



اخوك


ايمن الشهاري

فيصل الزوايدي 28-08-2008 12:41 AM

رد: " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي (تونس)
 
أخي ايمن اسعدتني متابعتك و مشاعرك الراقية فشكرا لك
دمت في الخير


الساعة الآن 07:41 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.
- arab-line : SEO by vBSEO 3.3.0 TranZ By Almuhajir

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010

... جميع الحقوق محفوظه لمجالس رويضة العرض لكل العرب ...

.. جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ...ولا تعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر المنتدى..

a.d - i.s.s.w